بين مقال كارتر ووفاة ماكين.. حقيقة الموقف الأمريكي من سوريا
16 ذو الحجه 1439
مهند الخليل

توفي اليوم الأحد – 15 ذي الحجة 1439- السناتور الأمريكي الشهير: جون ماكين؛ وقبل يومين من وفاته نشر الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر مقالًا يدعو فيه إلى إعادة "شرعنة" نظام بشار الأسد..

 

بين الحدثين نحاول قراءة الموقف الأمريكي الحقيقي من الشعب السوري المظلوم، ومن نظام العائلة الأسدية، وخاصة أن كارتر – عرَّاب اتفاقات كامب ديفيد- التقى خلال رئاسته بحافظ أسد ليؤكد متابعة الرعاية الأمريكية غير المعلنة لنظام الأسد الوظيفي في حماية الاحتلال الصهيوني للجولان الذي سلَّمه حافظ بلا قتال سنة 1967م فقبض الثمن بترقيته من وزير دفاع إلى مالك سوريا مُلْكًا حصريًا له ولعائلته من بعده، مثلما أكدت الأحداث مولا سيما منذ 2011 حتى اليوم!

 

ثبات ماكين
باستثناء السناتور الجمهوري جون ماكين – الذي رحل عن 81 عامًا- وزميله الديمقراطي جون جراهام، لم يقف أي سياسي أمريكي مع ثورة الشعب السوري، موقف تأييد فعلي ..  هنالك شخصان آخران من طاقم الخارجية الأمريكية استقالا في وقت مبكر، احتجاجًا على نفاق بلادهم إزاء الثورة السورية.

 

كان هذا الاستثناءان تأكيدًا للعداء الأمريكي الخفيّ من الثورة السلمية، بالرغم من تصريحات الرئيس السابق باراك أوباما وأركان إدارته عن وجوب تنحي بشار الأسد عن السلطة، وأنه فقد شرعيته!

 

حاول الرجلان بإصرار زحزحة الدولة العميقة في بلادهما من مأساة الشعب السوري، لكن جهودهما ذهبت أدراج الرياح.
رفضت واشنطن الاستجابة إلى دعواتهما لتسليح الثوار السوريين، أو إقامة منطقة آمنة يُمنع فيها طيران بشار من إبادة المدنيين السوريين،...

 

امتازت رؤية ماكين بمبدئية نادرة في هايبر ماركت السياسة الأمريكية.. فصدع بانتقاداته للرئيس الحالي دونالد ترمب بالقوة نفسها التي كان يقارع بها سلفه الديمقراطي.. كلاهما باع الشعب السوري واحتقر تضحياته.

 

لم يصل ماكين في جرأته إلى ما وصل إليه بول فندلي صاحب كتاب: من يجرؤ على الكلام، حيث جاهر بتعرية اللوبي الصهيوني في أمريكا فدفع الثمن باهظًا، وهو فقد عضوية الكونجرس.

 

كارتر تاجر حقوق الإنسان
نشرت  صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية  يوم السبت -14 /12/ 1439- مقالاً للرئيس الأمريكي السابق جيمي كارتر, يتحدث فيه عما يسميه: الحل للوصول بالحرب السورية إلى نهايتها من خلال تقبّل عملية السلام حتى لو كانت غير مكتملة مشيراً إلى ضرورة تقبل فكرة بقاء الأسد في السلطة وإعادة سبل التواصل بين حكومته والغرب, فكتب: “في اجتماعهم في هلنسكي, فنلندا, وافق كل من الرئيس ترامب وبوتين على إنهاء الحرب السورية وإبعاد القوات الإيرانية عن الحدود السورية الإسرائيلية”. حيث أشار الرئيس ترامب إلى استعداده القبول ببقاء الأسد في منصبه وأنه يحضّر لسحب القوات الأمريكية من سورية.

 

 

لكن كارتر قال من جانبه إن إنهاء الصراع يستدعي المزيد من العمل. فقد أجمعت في العام 2011 السلطات الغربية والشرق أوسطية على الشعار الذي دارت حوله الحرب: “على الأسد أن يرحل”. لكن هذا التركيز الاستثنائي على مصير الرئيس السوري أدى إلى تجميد أية محاولة جدّية لحل الأزمة وإعاقة أي فكرة جديدة أخرى تدعو إلى حلّها.

 

تقلّصت منذ ذلك الحين النداءات الداعية لتغيير النظام, لكن ما يزال هناك بعض النداءات في الوسط السياسي الغربي تطالب بالانتقال السياسي في سورية كشرط أولي للمشاركة في إعادة الاعمار. لكن كارتر يشير إلى أن هناك توقعات أفضل في هذه النقطة وهو اختبار قدرة الحكومة السورية على نهج طريق جديد من شأنه الوصول بالحرب إلى نهايتها.

 

 

حيث يلخّص كارتر رأيه في عدّة نقاط قد تجدي في الوصول بالحرب إلى نهايتها وإعادة ترتيب الحياة السورية بشكل تدريجي. فكتب: “ينبغي على الحكومات الغربية بما فيها الولايات المتحدة الأمريكية إعادة العلاقات مع الحكومة السورية”. مشيراً إلى إمكانية البدء بذلك من خلال إعادة فتح سفاراتهم في سوريا لأن تغيّب الدبلوماسيين الغربيين عن دمشق أدى إلى ضياع فرص التعاون.

 

 

كما يجب على الغرب التخلي عن هدفه في تغيير النظام أيضاً وتقليص توقعاته بالتحول الديمقراطي في سوريا على المدى القريب, والاعتماد على الصبر في بناء الديمقراطية.

 

وبالرغم من إشارة كارتر إلى وجوب إبقاء طلبات الغرب معتدلة تجاه الحكومة السورية, إلا أنه يشير أيضاً إلى وجوب طلب تفعيل الإصلاحات من قبل دمشق. مؤكداً أنه ينبغي على الغرب الاستعداد للمساهمة في إعادة إعمار سورية.

 

من جهة أخرى يرى كارتر أن رفع العقوبات عن سورية أمر مفروغ منه في حل التحديات الكبيرة المتمثلة في إعادة الإعمار والبطالة والإنعاش الاقتصادي, فلا يمكن إنعاش الاقتصاد السوري بينما تأنّ البلاد تحت وطأة العقوبات التي تسبب أكبر الضرر للمواطنين العاديين.

 

 

ويشير كارتر إلى الخطر الكامن في الأجيال السورية التي شهدت الحرب وتأثرت بها! حيث أن جيلاً جديداً من أطفال سوريا الذين سيبلغون رشدهم خلال السنوات القليلة المقبلة, إضافة إلى الشبان في العشرينيات من عمرهم والعاطلون عن العمل سيكونون عرضة للتجنيد والانضمام إلى المسلحين المتطرفين, حيث يشكلون خطر استئناف الحرب في العقد القادم. ليؤكد بعد ذلك بأنه على جميع المعنيين الانخراط في عملية سياسية للحد من الحرب والبدء بمعالجة التحديات والعوائق في البلاد. فإن تقويض عملية السلام في جنيف من قبل النظام السوري وعدم الاكتراث الأوربي للحالة لن يؤدي إلا إلى المزيد من عدم الاستقرار والمعاناة.

 

شرعية القاتل
 يشير كارتر في مقاله إلى وجود دوافع أخرى للصراع في سورية يتوجب التعامل معها. فقد استعادت حكومة الأسد بمساعدة روسيا وإيران السيطرة على قسم كبير من الأراضي التي كانت قد خسرتها خلال الحرب لصالح مجموعات مختلفة من القوات المتمردة, تتراوح بين الميليشيات العلمانية والجهاديين التابعين للدولة الإسلامية وتنظيم القاعدة وغيرها من الجماعات المتطرفة الإرهابية. وبالرغم من المكاسب التي حققتها الحكومة السورية مؤخراً, إلا أنه وبحسب أبحاث مركز كارتر, لا يزال هناك الكثير من الأراضي السورية تقع خارج سيطرة النظام, بما في ذلك 27% من الأراضي في الشمال والشرق حيث يحتفظ الأكراد السوريين بالسيطرة عليها بمساعدة تحالف دولي تقوده الولايات المتحدة. كما تسيطر جماعات معارضة, يرتبط بعضها بشكل وثيق بتنظيم القاعدة, على محافظة إدلب في شمال غرب البلاد. كما أنشأت تركيا على طول حدودها مع شمال غرب سورية "حكومة وصاية".

 

على الضحية أن تستسلم!
كما يشير إلى أنه يجب على المعارضة المتمركزة في إدلب أن تتحرى عما يمكنها الوصول إليه من خلال الحوار السياسي, لأن الاستمرار في القتال لن يجدي. وفي الوقت نفسه, سيتطلب تحديد مصير الأراضي التي تحتلها تركيا في شمال غرب سورية  تدخلاً دولياً.

 

وللوصول إلى نتائج فعالة من هذه التدابير, يرى كارتر أنه يجب على الحكومة السورية أن تقبل بضرورة تحقيق الإصلاحات وتنفيذ تدابير بناء الثقة بما في ذلك إطلاق سراح المعتقلين وتحمل مسئولية معاملتهم.

 

 

كما أشار كارتر إلى وجود انتهاكات هائلة لحقوق الإنسان وقوانين الحرب في سوريا، بما في ذلك استخدام السلاح الكيميائي. وأنه لا يزال البعض من هذه الانتهاكات مستمرًّا حتى اليوم. ونتيجة لذلك شرّد نصف سكان البلاد ودمرت منازلهم ومصادر عيشهم, في حين وقف المجتمع الدولي عاجزاً أمام هذه الانتهاكات باستثناء عام 2013 عندما تمت إزالة الجزء الأكبر من مخزون الأسلحة الكيميائية في سورية بجهود أمريكية وروسية مشتركة.

 

وينهي كارتر مقاله بالقول: “ستكون التكاليف التي ستصرف على معالجة الكارثة في سورية جزءاً هاماً من عملية التئام جروح ما بعد الحرب, لكن الأولوية الآن هي إنهاء الحرب. فقد توصل الكثير من السوريين إلى أن أي عملية سلام, حتى لو كان سلاماً ناقصاً أو مشوّهاً, أفضل من استمرار الحرب. وإلا فإن البديل سيكون دولة فاشلة لعقود مقبلة في قلب الشرق الأوسط”.

 

6 + 1 =