عنصرية الإعلام في لبنان برعاية رسمية!
11 رجب 1439
منذر الأسعد

عندما تشن فضائية لبنانية حملات عنصرية منتظمة ضد اللاجئين السوريين، لا يمكن التعامل معها بحسن الظن إلا إذا بلغت السذاجة عند المرء درجة الانخداع بالعبارة النمطية التي لطالما زخرفت الصحف العربية بها صدر صفحتها الاستهلالية: المقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي هذه الصحيفة!
 

احتراف العنصرية
بحسب موضة الهزيمة الثقافية السائدة عربياً، هناك فضائية لبنانية اسمها (OTV) يمتلكها "التيار الوطني الحر" وهو حزب رئيس الجمهورية الحالي ميشيل عون، الذي اضطر بعد تسلمه هذا المنصب إلى التخلي عن رئاسة حزبه ليتولاه صهره: جبران باسيل –وزير الخارجية-. فالوراثة متأصلة في بنية السياسة اللبنانية منذ مئة سنة على الأقل. وليس لعون سوى بنات وهنا يصبح زوج الابنة بديلاً للابن الذي لم يأتِ!

 

نقتبس عن تقرير ممتاز نشرته "المدن" للزميل: نذير رضا، تلخيصه لأحدث هجمة عنصرية شنتها فضائية عون/ باسيل على النازحين السوريين – لبنان المحكوم من وكيل خامنئي أسوأ مكان لجأ إليه السوريون الهاربون من جحيم نظامهم باعتراف أممي ومع ذلك يسميهم نازحين لكنه يبتز العالم وينهب مساعداته باعتبارهم: لاجئين-!!
 

لا يمكن اعتبار التقرير الذي نشرته قناة "او تي في" عن النازحين السوريين يوم الاثنين(19/3/2018)، إلا تحريضاً ضد تعليمهم، والدفع نحو التسرب الدراسي لأكثر من 158ألف طالب سوري، بذريعة "الخوف" من منافسة اللبناني في المدرسة قبل سوق العمل، وبحجة "مستوى" الطالب السوري و"خلفيته الثقافية والاجتماعية" التي "تُقلق بعض الأهل" إذا احتك التلميذ السوري بقرينه اللبناني.
 

لكن التقرير المقزز، لناحية بدئه بصورة طفل ينتعل "مشاية"، والتركيز عليها مرتين خلال التقرير، يبدو متناقضاً، ولا يخدم سياسة الدولة اللبنانية التي تتسلم مساعدات وميزانيات من دول العالم بحجة النازحين، وتطالب بالمزيد لقاء "رعايتهم" كـ"دولة مضيفة"، وهي استراتيجية "الابتزاز السياسي" نفسها التي وفرت مظلة استقرار أمنية داخلية، ومنعت لبنان من الانحدار إلى الإفلاس، كما اليونان، حسبما ذكرت مجلة "بلومبيرغ" مطلع الشهر الحالي.
 

تضليل غير عفوي
يمضي تقرير رضا قائلاً:بات مُسلَّماً بخطاب الكراهية، في أحقر أشكاله، تجاه النازحين السوريين، من قبل القناة البرتقالية خصوصاً، مع غيرها من وسائل الإعلام التي تضرب على وتر التخويف من النازح. لكن التقرير هنا، لا يستند إلى أي أدلة علمية، وينطوي على تناقض يقوده إلى التفاهة السياسية والاقتصادية في مكان آخر....

 

لا تخفي القناة أن دعم "اليونيسيف" والاتحاد الأوروبي ودول أخرى مانحة، بالتعاون وزارة التربية، يوفر تمويلاً بقيمة 600 دولار عن كل طالب من الـ158 ألف طالب سوري. هذه الحقيقة وحدها - ومن دون احتساب البقية - كفيلة بتأمين 95 مليون دولار لسوق العمل اللبناني سنوياً، ستكون جزءاً من دخل مالي لآلاف الأساتذة، ما ينشط الدورة الاقتصادية. وعليه، فإن هذا الدعم المالي لن يكون عبئاً على الاقتصاد اللبناني، كما توحي القناة، ولن يكون عبئاً على البنية التحتية حيث تكفلت الدول المانحة بتنمية المجتمعات المضيفة لهم.
 

وإذا كانت حجة القناة أن هؤلاء يأخذون أماكن الطلاب اللبنانيين في المدارس الرسمية، كما قالت، فإنها ناقضت نفسها في الموقع نفسه، حين أكدت أن 259 مدرسة تطبق نظام التعليم المزدوج (دوام بعد الظهر)، ما ينفي أي حجة بأن هؤلاء يأخذون أماكن الطلاب اللبنانيين.
 

وليكن معلوماً ان السوريين، أو القسم الأكبر منهم، باتوا مستائين من نظام التعليم بعد الظهر إذ لا يقدم نصف المنهج التربوي الذي يُقدم في فترة التعليم قبل الظهر، ويفتقد في مواقع كثيرة للجدية في التعاطي معهم لتعليمهم. وهذا واقع يعرفه مندوبو الجمعيات والمنظمات الدولية، الذين يرصدون هذا التململ، وهو ما ألزم الكثير من السوريين البحث عن "واسطة" لإدراج أطفالهم في دوام ما قبل الظهر، أو لدفع تكاليف مدارس خاصة بحثاً عن "مستوى تعليمي أفضل".
 

بل أن التقرير يُغفل حقيقة أن 178 مدرسة رسمية تأهلت، على حساب النازحين (أي المساعدات التي تأتي باسمهم)، من أجل أن تتمكن من استقبال الطلاب بعد الظهر.. لكن التقرير يقول: "المباني مرهقة"!
 

وُيعدّ تحميل النازحين السوريين، وزر الفساد المستشري في قطاع التربية اللبنانية، وقاحة بالغة. ومن الأفضل السؤال ههنا عن الضغوط التي تُمارَس على الحكومة اللبنانية، من قوى فاعلة، لدعم القطاع التربوي الموازي، أي المدارس الخاصة العائدة بإداراتها و/أو ملكيتاها إلى مؤسسات سياسية ودينية (من كل الفئات) وأحياناً إلى عائلات فاعلة في الوسط السياسي. وتتقاضى هذه المؤسسات، إلى جانب المنح المخصصة لموظفي القطاع العام لتعليم أولادهم في المدارس الخاصة، عائدات من وزارات التربية والشؤون الاجتماعية والشباب والرياضة، لقاء تحملها الدور المكمّل لجهود التعليم الرسمي في لبنان.
 

وحين يُسأل في التقرير عن سوء إدارة المال المخصص للتعليم النازحين، بالاستناد إلى تقرير "هيومن رايتس ووتش" الذي تحدث عن مبالغ مفقودة كانت مخصصة لتغطية وتعليم الأطفال، فإن الإجابة يجب أن تُحال إلى القناة نفسها، التي أشارت في إحدى مقدماتها الإخبارية إلى "سارق أموال النازحين"، من غير أن تسميه، ذلك أنها تعرفه ولا يعرفه اللبنانيون الآخرون. ولم يُعرف حتى الآن ما إذا كانت هذه الإشارة في نشرة الأخبار الشهيرة قد تحولت إلى إخبار إلى النيابة العامة اللبنانية، للتحقيق في الملف المزعوم، بغرض محاربة الفساد وزيادة الشفافية.
 

التقرير يعبر عن مرض استكبار فظيع فكأن بعض النخب اللبنانية "أرقى" من أن تندمج، ويتحدث عن فوارق اجتماعية، بالصورة، متناسياً أن هؤلاء البسطاء والريفيين، يتشابهون مع ريفيين لبنانيين.. ويتناسى أن عرقلة تمدنهم، يتحمل مسؤوليته النظام السوري، حليف حليف التيار البرتقالي، كما أن المسؤول عن النزوح هو النظام نفسه.

2 + 1 =