التسريبات الانتقامية في إيران: من يقف خلفها وهل تستمر
11 جمادى الأول 1439
جمال عبيدي

الصراع الخفي بين خامنئي ورفسنجاني، وخاصة بعدما أفرغا البلاد من الأحزاب السياسية، قسم النظام إلى تيارين.

 

تكشف التطورات القادمة من الداخل الإيراني أن الخلاف في أروقة النظام يشتد يوما بعد يوم. وقد يكون الفيديو الذي سرّب مؤخرا عن حيثيات جلسة مجلس الخبراء المتعلقة بتنصيب علي خامنئي مرشدا للجمهورية الإسلامية في إيران خلفا للخميني، ودور هاشمي رفسنجاني وكيف “احتال” على أعضاء المجلس للقبول بخامنئي، خير دليل على الصراع الذي احتدم في السنوات الأخيرة بين أجنحة النظام السياسية والاقتصادية والدينية.

 

يقول خامنئي في تلك الجلسة، المسجلة بتاريخ 3 يونيو 1989 “يجب أن نبكي دما على الأمة الإسلامية، لو طرح انتخاب شخص مثلي لقيادتها”. ويؤكد خامنئي بالقول أيضا، على أنه “لا يستحق أن يكون في هذا المقام (منصب المرشد الأعلى)”.

 

بالفعل، قد يكون اعتراف علي خامنئي بأنه غير مؤهل في محلّه. كما أن هذه التسريبات المتتالية في إيران وعلى رأسها تسريب حديث المرشد المتعلق بعدم أهليته قد يكون العامل المساعد في الظرف الحالي للخلاص من قدسية هذا الصنم (ولاية الفقيه)، والذي عملت ماكينة النظام الإعلامية طوال هذه الفترة من عمر الجمهورية الإسلامية على ترسيخه في عقول الشعوب في المنطقة.

 

في هذا الإطار، هناك فرضيتان لهما علاقة مباشرة بالتسريب لا بد لنا من فهمها وذلك من خلال السياق التاريخي للأحداث التي كان لخامنئي ورفسنجاني الدور الرئيس في حدوثها في الجمهورية الإسلامية الإيرانية.

 

أولا: طبيعة الصراع الخفي بين خامنئي ورفسنجاني وانعكاساته على النظام. وثانيا: السبب الرئيس وراء تسريب الملفات السرّية والتركيز على حديث خامنئي بأنه لا يستحق قيادة الثورة الإسلامية.

 

وبناء على ما كشفته البعض من مجريات الأحداث التي سمّیت في إيران في الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي بالاغتيالات السياسية، لا سيما اعترافات سعيد إمامي، المسؤول الأول والمكلف من قبل وزير الاستخبارات علي فلاحيان، على سير تلك الاغتيالات التي كانت تستهدف بالدرجة الأولى من يعارض توجّهات النظام المتمثلة بشخص المرشد الأعلى علي خامنئي وسياساته الداخلية والخارجية، فإن اغتيال نجل مؤسس الجمهورية الإسلامية أحمد الخميني، كان من أهم الاغتيالات التي حدثت في تلك الآونة وكانت لهذا الاغتيال ارتدادات مهمّة جدا على الوضع السياسي العام للنظام.

 

ويبدو، أن لهذا الاغتيال علاقة مباشرة بخامنئي، حيث تؤكد المستندات التي سرّبت من حيثيات الاستجواب الخاص بسعيد إمامي بعدما اعتقل ومعه مجموعة من عناصره على أنه كان ينفذ أوامر السلطات العليا في البلاد ومنهم المرشد الأعلى. ويضيف بأنه تلقى أوامر بتصفية نجل الخميني من علي فلاحيان وزير الاستخبارات، وبتأييد من مصباح ومحسني أجه اي وبادمجيان وخوشبخت وكلهم من آيات الله ومن صناع القرار في إيران. لأن أحمد الخميني كان من أشد المنتقدين لسياسات المرشد الأعلى علي خامنئي.

 

وبالعودة إلى الفرضية الأولى، فبعدما توفي مؤسس الجمهورية الإسلامية، أعدّ هاشمي رفسنجاني على الفور وبمعيّة أحمد الخميني خطة مفادها اختيار علي خامنئي مرشدا مؤقتا للبلاد إلى أن تتم تهيئة الظروف المناسبة لأحمد الخميني ليكون قائدا ومرشدا للبلاد وخلفا لوالده. إلا أن خامنئي استطاع بالفعل أن يمسك بزمام الأمور في البلاد وتحالف مع الحرس الثوري ومؤسساته العسكرية والأمنية والاقتصادية، وسحب البساط كليّا من تحت أقدام ثعلب النظام وعرابه هاشمي رفسنجاني. كما أن خامنئي قلّم أظافر رفسنجاني في أكثر من مناسبة وسجن نجله مهدي رفسنجاني.

 

هذا الصراع الخفي بين خامنئي ورفسنجاني، وخاصة بعدما أفرغا البلاد من الأحزاب السياسية، قسم النظام إلى تيارين. كما أن رفسنجاني لم يهدأ له بال وكان يتحيّن الفرص. وفي عام 2016 عندما كثر الحديث عن إصابة علي خامنئي بمرض السرطان وضرورة البحث عن خليفة للمرشد الأعلى، دفع هاشمي رفسنجاني بحسن الخميني حفيد مؤسس الجمهورية الإسلامية لمجلس خبراء القيادة، إلا أن مجلس صيانة الدستور لم يصادق على أهلية حفيد الخميني ورفض ترشيحه للمجلس المعني باختيار المرشد الأعلى.

 

وبالنظر إلى تيار رفسنجاني مقارنة بتيار خامئني وحلفائه الأقوياء وعلى رأسهم الحرس الثوري ومؤسساته الأمنية والاقتصادية والسياسية، وكذلك العداء الذي يكنه الحرس الثوري لرفسنجاني وعائلته، كان رفسنجاني الحلقة الأضعف في هذا المضمار السياسي. إلا أنه في السنوات الأخيرة وخاصة بعدما أدرك رفسنجاني أن وجوده في النظام أصبح يساوي الصفر على الشمال، تقرّب من الجناح الإصلاحي، وأظهر أنه ضد سياسات النظام الداخلية والخارجية، ولكنه فشل.

 

كما أنه وقبل وفاته، انتحل لنفسه صفة المعتدل والمنقذ للبلاد والعباد، ودفع هذه المرة بحسن روحاني، إلا أن هذا التوجه الجديد لهاشمي رفسنجاني كلّفه حياته، حيث تصرّ عائلة الرئيس الإيراني الأسبق على أن وفاته لم تكن طبيعية وأنه تم اغتياله، وأخذت كافة المستندات السرّية التي كانت بحوزته والمتعلقة بالنظام من مكتبه. وبمناسبة الذكرى الأولى لوفاته (8 يناير2017)، طالب حسن روحاني المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني بفتح تحقيق ثان في مجريات الوفاة، لكن المجلس الأعلى للأمن القومي رفض الأمر وطلب من الرئيس حسن روحاني إغلاق ملف وفاة رفسنجاني نهائيا.

 

هذه الأحداث وغيرها، لا سيما تلك المتعلقة بالملفات الاقتصادية واختلاس الأموال من قبل رموز النظام والساسة المحسوبين على أجنحته الأصولية والإصلاحية والتي تم الكشف عنها في السنوات الأخيرة، أصبحت ظاهرة بامتياز وتعايش معها الشارع الإيراني.

 

أيضا، لو تمعّنا قليلا في نهاية الرؤساء كل من هاشمي رفسنجاني ومحمد خاتمي ومحمود أحمدي نجاد، الذين جاؤوا بعد رئاسة المرشد الأعلى علي خامنئي لإيران، لوجدنا أن كلهم قد تم استبعادهم وبطريقة مهينة جدا. وبطبيعة الحال، هؤلاء الرؤساء، اعتلوا منصب رئاسة الجمهورية من خلال مشاريع سياسية ضخمة تضم في طياتها الكثير من المؤسسات الاقتصادية والسياسية والدينية، وكانت مدعومة من شرائح المجتمع وبموافقة النظام، إلا أن هذه المشاريع كافة وأصحابها أصبحوا جميعا في خبر كان.

 

وبالتالي، هذه المشكلات السياسية والاقتصادية والأمنية هي ضرورة ملّحة لاستمرارية النظام الذي يتحكّم في البلاد والعباد من أعلى هرم السلطة. وما نشاهده اليوم من تسريبات للملفات السرية والحيوية بالنسبة للنظام والتي يجب أن تكون في مأمن من هذه الصراعات البينية، حالة طبيعية وتأتي في إطار الانتقام. وهذا إن دل على شيء، فإنما يدل على أن نظام الجمهورية الإسلامية تصدّع بالفعل، وخسر رصيده بين الشعوب في جغرافية إيران السياسية والمنطقة. وبالتأكيد فإن القادم أسوأ.

 

المصدر/ العرب

9 + 5 =