قطع العلائق عن الخلائق
22 رمضان 1440
د. عبدالرحمن بن عبد العزيز العقل

قطع العلائق عن الخلائق(*)

إنَّ سر الاعتكاف وغايته، الخلوة بالله وتفريغ القلب وقطع علائقه بالخلائق؛ ولهذا كان اللائق بالمعتكف أن يكون مُنهمكا في التنسك والعبادات الخاصة، مقبلا على ربّه بتخلية القلب لله، والإلحاح في طلبِ رضاه، والإلحاف في نيل مغفرته وعفوه، كما قال عطاء: مثل المعتكِف كرجل له حاجة إلى عظيم، فجلس على بابه، يقول: لا أبرح حتى تقضي حاجتي، وكذلك المعتكِف يجلس في بيتِ الله يقول: لا أبرح حتى يُغفر لي»(1).

ولهذا كان المشروع للمُعتكف أن يكونَ عَزوفًا عن الناس، مجافيا لمجالسهم، وقد نصّ الإمام أحمد على أنه ينبغي للمُعتكف أن لا يخالط الناس حتى ولو كان ذلك لتعليم علم أو إقراء قرآن، وأنّ الأكمل له الانفراد والتخلي لمناجاة ربه وذكرِه ودعائه(2).

وبنظرة تأمُل، نجد أنّ عبادة الاعتكاف اقترنت بعبادة الصوم؛ لأنّ حكمة مشروعيتهما واحدة، وهي: إصلاح القلب بتقوى الله، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)[البقرة: ۱۸۳].
ويبلغ العبد الصائمُ الذروة في إصلاح قلبه حينما يعتزل الناس، ويعتكف بقلبه وجسدِه، خاليًا بربه، منطرحا بين يديه، وكان من هدي النبي صلى الله عليه وسلم في الاعتكاف الانفراد عن الناس، وكان يأمر بأن يُضرب له خباء(3) في المسجدِ يلزمه، ويخلو بربه، كما قالت عائشة ومنها : «كَانَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم يعتكف في العشر الأواخر مِنْ رَمَضَانَ، فَكُنتُ أضربُ لَهُ خباء فَيصَلّي الصّبَحَ تُمّ يدخله»(4).

إنْ جُل الطاعات وكثيرا من العبادات تجتمع للعاكف المنفردِ الخالي بربه، وأعظم هذه العبادات وأشرفها: عبادة القلب، ولأنّ القلب هو سيد الأعضاء فإنه مخصوص بسيد العبادات: الإخلاص، وليس شيء من الحالاتِ تزيدُ الإخلاص وتُنميه كما في حالة العبد المنكسر المنطرح بين يدي مولاه حين الخلوة بالله، والعكوف على طاعته؛ ولهذا فإنّه يتذوق حلاوة الإيمان، ويجد له مذاقا وطعما لا يُساميه أي مذاق، ولا يُدانيه أي طعم، (ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) [الحديد: ۲۱].

----------

(*) مستفاد من كتاب حينما يعتكف القلب.
(1) ينظر: وظائف رمضان ص (۷۰).
(2) ينظر : وظائف رمضان ص (60).
(3) الخباء: بكسر المعجمة وتخفيف الموحدة مع المد هي خيمة من وبر أو صوف، ثم أطلقت
 على البيت كيف ما كان. ينظر: النهاية (2/9)، اللسان، (۱4/ ۲۲۳) (خبا).
(4) أخرجه البخاري، (۳/ ٤۸) رقم (۲۰۳۳)، ومسلم (۲/ ۷۱۰)، رقم (۱۱۷۲).

 

3 + 1 =