كفت الثياب أو الشَّعَر أو عقصه في الصلاة
22 شوال 1439
د. عبد الرحمن بن عوض القرني

الأحاديث الواردة في النهي عن كفت الثياب(1) أو الشَّعر أو عقصه(2) في الصلاة:
1-    عن ابن عباس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أُمِرْتُ أن أسجد على سبعة أعظم: الجبهةِ -وأشار بيده على أنفه- واليدين، والرجلين، وأطراف القدمين، ولا نكفتَ الثيابَ ولا الشَّعر». متفقُ عليه، واللفظ لمسلم(3).
    وفي رواية: «أُمِرَ النبي صلى الله عليه وسلم أن يسجد على سبع، ونُهِيَ أن يكفت الشعر والثياب». أخرجها مسلم(4).

 

2- وعن عبدالله بن عباس: «أنه رأى عبدالله بن الحارث يصلي، ورأسه معقوصمن ورائه، فجعل يحلُّه، فلما انصرف، أقبل إلى ابن عباس، فقال: ما لك ورأسي؟ فقال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إنما مَثَلُ هذا مَثَلُ الذي يصلي وهو مكتوف». أخرجه مسلم(5).
 

3- وعن سعيد بن أبي سعيد المقبُري، عن أبيه: «أنه رأى أبا رافع -مولى النبي صلى الله عليه وسلم- مَرَّ بحسن بن عليّ -رضي الله عنهما-، وهو يصلي قائمًا، وقد غَرَزَ ضفرةً في قفاه، فحلَّها أبو رافع، التفت حسن إليه مغضبا، فقال أبو رافع: أقْبِلْ على صلاتك ولا تغضب؛ فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلميقول: «ذلك كفل الشيطان». يعني مَقْعَدُ الشيطان، يعني: مغرز ضفره». أخرجه أبوداود -واللفظ له- والترمذي(6) بإسناد جيد كما قال الحافظ(7). وعن أبي رافع قال‏:‏ ‏«‏نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يصلي الرجل ورأسه معقوص». رواه أحمد وابن ماجه‏(8).‏
 

حكم كفت الثياب أو الشَّعَر أو عقصه في الصلاة
للعلماء في هذه المسألة ثلاثة أقوال:

 

القول الأول:
يحرم ذلك مطلقًا. وهو قول الحنفية(9)، وابن حزم(10) واختاره الشوكاني(11) وذهب الحسن البصري إلى وجوب إعادة الصلاة على من فعله(12) أي أن صلاته باطلة، ولازمه القول بالتحريم.

 

القول الثاني:
يكره ذلك مطلقًا، وهو قول الشافعية(13)، والحنابلة(14).
    وذكر النووي -رحمه لله-: أن النهي لكل من صلى كذلك، سواء أتعمده للصلاة أم كان كذلك قبلها لمعنىً آخَرَ وصلى على حاله بغير ضرورة. وهذا قول الجمهور(15).

 

القول الثالث:
التفصيل: فيُكره فعل ذلك لأجل الصلاة أو صونًا لثيابه وشعره من أن يلوثها التراب، وأما إذا كان للعادة أو بسبب شغله، أو كان قبل الصلاة جاز ذلك بلا كراهة. وهو قول المالكية(16).

 

أدلة الأقوال ومناقشاتها:
أدلة القول بالحرمة مطلقًا:
-    حديث ابن عباس -رضي الله عنهما- السابق.
وهو نَهْيٌ، والأصل في النهي أنه للتحريم.

 

-    حديث ابن عباس -رضي الله عنهما- الآخر.
قال ابن الأثير: أراد أنه إذا كان شعره منشورًا، سقط على الأرض عند السجود فيُعْطَى صاحبُه ثوابَ السجود به، وإذا كان معقوصا، صار في معنى ما لم يسجد، وشبهه بالمكتوف -وهو المشدود اليدين- لأنهما لا يقعان على الأرض في السجود. اهـ(17).

 

- واستدلوا بحديث أبي رافع -رضي الله عنه-.
 

- وقد ثبت عن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه-: أنَّه دخل المسجد، فرأى فيه رجلاً يُصلِّي عاقصًا شعره، فلمَّا انصرفَ قال عبدالله بن مَسْعودٍ للرجل: إذا صلَّيت فلا تعقصَنَّ شعرك، فإنَّ شعرك يَسْجد معك، ولك بكلِّ شعرةٍ أَجْر، فقال الرَّجلُ: إنِّي أخافُ أنْ يتترب، قال: تَتْريبُه خيرٌ لك(18).
 

مناقشة هذه الأدلة:
    لم أجد مناقشةً لأدلة هذا القول.

 

أدلة القول الثاني:
استدل القائلون بالكراهة مطلقًا بالأدلة نفسِها التي استدل بها القائلون بالتحريم، غير أنهم قصروا دلالتها على الكراهة فقط، ولم أجد لهم دليلاً على ذلك، ولعلهم نظروا إلى المعنى الذي من أجله جاء النهي، وهو عدم جود الشعر والثوب معه، وعليه فلا يحصل له أجر سجودهما، ومثل هذا المعنى يناسبه الكراهةُ لا التحريم.
قال النووي: اتفق العلماء على النهي عن الصلاة وثوبه مشمر، وكمه أو نحوه أو رأسه معقوص، أو مردود شعره تحت عمامته، أو نحو ذلك، فكل هذا منهي عنه باتفاق العلماء، وهو كراهة تنزيه، فلو صلى كذلك فقد أساء وصحت صلاته(19).

 

ويمكن أن يناقش:
أ‌-    بأن ما وُجِّه به القول بالكراهة بالنظر إلى المعنى غيرُ مسلَّم؛ فإن هذا المعنى وإن كان ظاهرًا -ولو لم يكن منصوصًا عليه- إلا أنه لا دليل فيه على أن عدم سجود الشعر أو الثوب يقتضي الكراهة، فقد يكون سجودهما واجبًا كحكم بقية الأعضاء في وجوب السجود.
ب‌-    ثم إن تعليل النبي صلى الله عليه وسلم كفت الشعر بقوله: «ذلك كفل الشيطان» -يعني: مَقْعَدُ الشيطان- يقوي القول بالحرمة، والله أعلم.

 

ثالثًا: أدلة القول بالتفصيل:
وهو كراهة فِعْلِ ذلك لأجل الصلاة أو صونًا لثيابه وشعره من أن يلوثها التراب، دون فعله للعادة أو بسبب شغله.
وجه هذا القول: أن أصحابه نظروا إلى المعنى الذي من أجله نُهِيَ عن كفت الشعر والثياب في الصلاة، فرأَوا أن الشعر والثوب إنما يسجدان مع صاحبهما(20)، وفي ذلك استذلال وخشوع، ففي كَفْتِهما منع من ذلك، وعليه فإن كان بقصد صيانتها، ففي ذلك ضرب من ترك الخشوع فكُرِه(21)، وأما إن كان بسبب العادة أو الشغل، فلا يَرِدُ معه قصد ترك الخشوع فلا يكره(22).

 

ويمكن أن يناقش:
بأن الأحاديث المانعة من الكفت في الصلاة مطلقة لم تفرق بين حالة وحالة، والمطلق يعمل به على إطلاقه حتى يقوم دليل التقييد، ولا دليل على التقييد، فيبقى المطلق على إطلاقه.

 

الترجيح:
فالراجح مما سبق، القول بحرمة كفت الشعر والثياب في الصلاة مطلقًا، سواء أكان الكفت قبل الصلاة أم في الصلاة نفسها.

 

لكن يُستثنى من الحرمة شيئان:
الأول: ما تدعو الحاجة إليه؛ كالتأذي من بعض اللباس مثلاً؛ لجواز دفع ما يؤذي حال الصلاة.
والثاني: ما يُلبَس مكفوتًا أصلاً، كعِمامةٍ ونحوِها.

 

وسبب ترجيح التحريم اثنين:
1-    تغليباً للأصل في النهي وهو التحريم.
2-     قوله في الحديث (ذلك كفل الشيطان) فهو دال على وعيد ونظيره مما سبق هو الالتفات في الصلاة فقد جاء أنه (اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد)؛ ولذا ورد عن الصحابة النهي عن ذلك كما تقد من أثر ابن مسعود، وربما امتنع بعض الصحابة من ذلك مع حاجتهم له.
فعن أبي إسحاق قال: رأيت ابن عباس إمامنا طويل الشعر إذا سجد وقع شعره على الأرض(23).

 

فائدة:
قال الترمذي(24): والعمل على هذا عند أهل العلم كرهوا أن يصلي الرجل وهومقعوص شعره".
وبوب المجد ابن تيمية في المنتقى:"باب كراهة أن يصلي الرجل معقوص الشعر".
قال العراقي(25): وهو مختص بالرجال دون النساء لأن شعرهن عورة يجب ستره في الصلاة، فإذا نقضته ربما استرسل وتعذر ستره فتبطل صلاتها.

 

وأيضا فيه مشقة عليها في نقضه للصلاة وقد رخص لهن صلى الله عليه وسلم في أن لا ينقضن ضفائرهن في الغسل مع الحاجة إلى بل جميع الشعر.
 

دلالة النهي عن كفت الثياب أو الشَّعَر أو عقصه في الصلاة
تقدم بيان الخلاف في المسألة وأن الراجح هو القول بالتحريم لأنه لا صارف يعتمد عليه في نقل الحكم من التحريم إلى الكراهة.

 

______________________________

(1) الكَفْتُ في اللغة: هو الجمع والضم.القاموس المحيط ص(203)، وغريب الحديث للهروي (1/239، 240). والمراد بالنهي عن كَفْت الشعر: عَقْصُه وغَرْزُ في أعلى الضفيرة. جامع الأصول (5/382). وكفت الثياب: منعها من الانتشار؛ وذلك بجمعها باليدين عند الركوع والسجود النهاية لابن الأثير (4/184)، وجامع الأصول (5/382).
(2) قال ابن الأثير في: جامع الأصول (5/256): «عقص شعرَه: إذا أضفره وشدَّه وغرز طَرَفه في أعلاه». اهـ.
(3) أخرجه البخاري في كتاب الأذان باب لا يكف شعراً (815)، وباب لا يكف ثوبه في الصلاة(816) ومسلم في كتاب الصلاة باب أعضاء السجود والنهي عن كف الشعر والثوب وعقص الرأس في الصلاة (490)(230) وورد بألفاظ متقاربة (227-231).
(4) مسلم في كتاب الصلاة باب أعضاء السجود والنهي عن كف الشعر والثوب وعقص الرأس في الصلاة (490) (229).
(5) أخرجه مسلم في كتاب الصلاة، باب: أعضاء السجود والنهي عن كف الشعر والثوب وعقص الرأس في الصلاة (492) (232).
(6) أخرجه أبوداود. كتاب الصلاة، باب: الرجل يصلي عاقصًا شعره(646)، والترمذي. الصلاة، باب: ما جاء في كراهية كف الشعر في الصلاة(384).
(7) فتح الباري (2/299).
(8) أخرجه أحمد (6/8) وابن ماجه (1042)أبواب إقامة الصلاة.باب كف الشعر والثوب في الصلاة.
فائدة:
بعض العلماء يجعل الحديثين الأخيرين حديثاً واحداً وهو صنيع أبي حاتم والدارقطني في كتابيهما العلل وأيضا صنيع محققي المسند (ط. الرسالة) والحديث قد اختلف في إسناده على مخول بن راشد- شيخ سفيان الثوري- على أوجه ذكرها الترمذي في العلل(80) وأبو حاتم(289)والدارقطني في العلل(7/18) وقد فصلتُ الحديثين عن بعض لأن المجد ابن تيمية اقتصر على الرواية الأخيرة عند أحمد. المنتقى(1/327).
(9) بدائع الصنائع(2/566)، وفتح القدير 01/412)، وحاشية ابن عابدين (1/640).
(10) المحلى (4/7).
(11) نيل الأوطار(2/228).
(12) ذكره عنه ابن المنذر في كتابه (الإشراف على مذاهب العلماء) (2/228).
(13) روضة الطالبين (1/259)، وذكر أن منه أن يصلي وثوبه مشمَّر أو كُمُّهُ، ونحوه، أو أن يكون شعره مردودًا تحت عِمامته. انظر: مغني المحتاج (1/201)، والمجموع (4/98).
(14) المغني (2/394)، والفروع (1/483)، والمبدع (1/480)، وذكر في الإنصاف (1/470)، أن الصحيح من المذهب أن لَفَّ الكم مكروه.
(15) المجموع (4/98).
(16) حاشية العدوي (1/276، و277)، وعارضة الأحوذي (2/175).
(17) النهاية (3/275-276).
(18) رواه عبدالرزاق (2/ 185)، وابن أبي شيبة (2/ 194)، والطبراني في الكبير (9/ 267) وهو أثر صحيح. ينظر ما صح من آثار الصحابة(1/293).
(19) شرح صحيح مسلم (4/ 209).
(20) المجموع للنووي (4/98).
(21) عارضة الأحوذي (2/175).
(22) حاشية العدوي (1/276، 277).
(23) أخرجه ابن المنذر في الأوسط (2/175) وحسنه زكريا الباكستاني (1/293).
(24) في السنن(2/52).
(25) نقله عنه المباركفوري في تحفة الأحوذي (2/326).

2 + 0 =
محمد بن عثيمين رحمه الله
د. عبد الرحمن بن عوض القرني
د. ماھر الحولي و أ. سالم أبو مخدة
د. خالد بن سليمان المهنا