الفتوى العقدية
2 شعبان 1439
د. زياد بن حمد العامر

المقدمة
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
فإن من مقامات العلم الشريفة التوقيع عن رب العالمين، والقيام بمقامات الأنبياء والمرسلين من تعليم الناس وإفتائهم ودلالتهم على الصواب، وتزداد أهمية الأمر حين يتعلق بعقائدهم وأديانهم، ومن يعيش واقع المسلمين اليوم يرى خطورة كثير من الانحرافات العقدية والفكرية، وشدة تلبيس الأئمة المضلين عليهم في أمور دينهم، ومن أعظم ما يجلي الله به هذه الانحرافات ويكشف التلبيس هو البيان والإفتاء في مسائل الاعتقاد، غير أن هناك معالم في هذا الباب تحتاج تحرير وتقويم، وتأمل ومراجعة، فأردت المشاركة في هذا المجال في بحث بعنوان (الفتوى العقدية).

 

وقد قسمت البحث إلى:
-    المقدمة.
-    المبحث الأول: التعريف بمفردات عنوان البحث.
-    المبحث الثاني: أهمية الموضوع.
-    المبحث الثالث: ضوابط ومحاذير في الفتاوى العقدية.
-    المبحث الرابع: أمثلة للفتاوى العقدية.
-    المبحث الخامس: أثر الفتوى العقدية على الأمة.
-    المبحث السادس:الفتوى في النوازل العقدية.
-    المبحث السابع: الفتوى في القضايا الفكرية.
-    المبحث الثامن: المؤلفات في الفتاوى العقدية.
-    الخاتمة وأهم النتائج والتوصيات.
سائلاً الله التوفيق والسداد، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

المبحث الأول: التعريف بمفردات عنوان البحث:
أولاً الفتوى:
الفتوى لغة: الإبانة، ويقال فُتيا بضم الفاء، وكذلك فتوى بضم الفاء وفتحها، والجمع فتاوي وفتاوى والأول أفصح.
قال ابن فارس (أفتى الفقيه في المسألة، إذا بين حكمها، واستفتيت، إذا سألت عن الحكم، ... ويقال منه فتوى وفتيا)(1).
و(الفتوى بالواو بفتح الفاء وبالياء وتضم، وهي اسم من أفتى العالم إذا بين الحكم، واستفتيته سألته أن يفتي، ويقال أصله من الفتي وهو الشاب القوي والجمع الفتاوي بكسر الواو على الأصل وقيل يجوز الفتح للتخفيف)(2).
والفتوى والفتيا بمعنى واحد(3).
(وجاءت الفتيا لغة في الفتوى لأهل المدينة خاصة)(4).
(والفُتيا والفُتوى بضمهما، وتفتح أي الأخيرة(5)... "والجمع" الفتاوي، بكسر الواو على الأصل، وقيل يجوز الفتح للتخفيف)(6).

 

الفتوى في الاصطلاح:
قد عرفت الفتوى بعدة تعاريف من أجمعها أن الفتوى:
هي بيان الحكم الشرعي لمن سأل عنه من غير إلزام(7)(8).
فقولهم:(بيان) أخذاً من دلالتها اللغوية.
وقولهم:(الحكم الشرعي) لتخرج بذلك الفتوى في المسائل غير الشرعية كالنحوية.
وقولهم: (لمن سأل عنه) ليخرج بذلك البيان الابتدائي فإنه تعليم وارشاد.
وقولهم: (من غير إلزام) ليخرج بذلك حكم القاضي في المسائل الشرعية، فإنه بيان على وجه الإلزام (9).

 

ثانياً: العقدية:
العقدية والعقيدة ترجع إلى أصل واحد، والعقيدة في اللغة: اسم فعيلة من عقد، وهو الشد والربط والجزم.
قال ابن فارس: (العين والقاف والدال أصل واحد يدل على شد وشدة وثوق، وإليه ترجع فروع الباب كلها... وعقد قلبه على كذا فلا ينزع عنه)(10).
وقال الفيومي: (اعتقدت كذا: عقدت عليه القلب والضمير، حتى قيل: العقيدة: ما يدين الإنسان به، وله عقيدة حسنة: سالمة من الشك)(11).

 

والعقيدة في المعنى الاصطلاحي:
ذكر بعض أهل العلم أن لفظة العقيدة لم ترد في نصوص الكتاب والسنة(12)، ويمكن أن يُستدرك على ذلك(13) بحديث زيد بن ثابت رضي الله عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (لا يعتقد قلب مسلم على ثلاث خصال، إلا دخل الجنة)، قال: قلت: ما هن؟ قال: (إخلاص العمل، والنصيحة لولاة الأمر، ولزوم الجماعة، فإن دعوتهم تحيط من ورائهم)(14).

 

والمراد بالعقيدة في هذا البحث العقيدة الإسلامية، ويمكن تعريفها بأنها (ما يشد ويربط الإنسان قلبه عليه من أصول الإيمان وما يلحق بها).
 

وتجدر الإشارة هنا إلى أن الجزم واليقين متوجه إلى أصول الإيمان، أما بعض المسائل الاحتمالية غير القطعية مما يُلحق بأصول الإيمان فلا يلزم منه الجزم واليقين، وذلك من جنس اعتقاد دلالة قوله تعالى (فثم وجه الله) هل المراد بها صفة الوجه لله؟ أم قِبْلَة الله؟
 

قال ابن تيمية: (الدين نوعان:
أمور خبرية اعتقادية.
وأمور طلبية عملية.

 

فالأول: كالعلم بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، ويدخل في ذلك أخبار الأنبياء، وأممهم، ومراتبهم في الفضائل، وأحوال الملائكة، وصفاتهم، وأعمالهم، ويدخل في ذلك صفة الجنة والنار، وما في الأعمال من الثواب والعقاب، وأحوال الأولياء، والصحابة، وفضائلهم، ومراتبهم وغير ذلك، وقد يسمى هذا النوع أصول دين، ويسمى العقد الأكبر، ويسمى الجدال فيه بالعقل كلاما، ويسمى عقائد، واعتقادات، ويسمى المسائل العلمية والمسائل الخبرية، ويسمى علم المكاشفة.
 

والثاني: الأمور العملية الطلبية من أعمال الجوارح، والقلب، كالواجبات، والمحرمات، والمستحبات، والمكروهات، والمباحات، فإن الأمر والنهي قد يكون بالعلم والاعتقاد، فهو من جهة كونه علماً واعتقاداً أو خبراً صادقاً أو كاذباً يدخل في القسم الأول، ومن جهة كونه مأموراً به أو منهياً عنه يدخل في القسم الثاني، مثل شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فهذه الشهادة من جهة كونها صادقة مطابقة لمخبرها فهي من القسم الأول، ومن جهة أنها فرض واجب وأن صاحبها بها يصير مؤمناً يستحق الثواب، وبعدمها يصير كافرا يحل دمه وماله فهي من القسم الثاني)(15).
 

تعريف العنوان مركباً:
بناء على ما سبق فيمكن إيضاح المراد الإجمالي لعنوان هذا البحث بأنه:
(بيان الحكم الشرعي لمن سأل عنه لا على وجه الإلزام في المسائل التي يشد ويربط الإنسان قلبه عليها من أصول الإيمان وما يلحق بها).

 

المبحث الثاني: أهمية الموضوع:
تتجلى أهمية الحديث عن الفتوى العقدية من خلال ما يلي:
1)    عِظَم أمر الفتوى من جهة التحمل، فإنها(توقيع عن الله تبارك وتعالى)(16)، (ولهذا قالوا المفتي موقع عن الله تعالى)(17)، وعلى ذلك سمى ابن القيم رحمه الله كتابه "إعلام الموقعين عن رب العالمين"، (وإذا كان منصب التوقيع عن الملوك بالمحل الذي لا يُنكر فضله، ولا يُجهل قدره، وهو من أعلى المراتب السَنِيَّات، فكيف بمنصب التوقيع عن رب الأرض والسموات)(18)، وقد قال الله تعالى: (وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ) النحل: ١١٦.

 

2)    عِظَم أمر الفتوى من جهة الأداء، وذلك لعظيم أثرها في الناس نفعاً أو ضرراً، كما جاء عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالماً اتخذ الناس رؤوساً جهالاً، فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا)(19)، فينتفع أقوام بفتوى عالم، ويضل آخرون بفتوى جاهل، وبالفتوى يُعصم دم إنسان أو يُهدر، وبالفتوى تُستحل الفروج أو تحرم، وبالفتوى يُخرج الإنسان من الدين أو يدخل، وبالفتوى يقوم الجهاد والقتال أو يُمنع، وتنزيل الأحكام الشرعية على واقع الناس هو من باب الفتوى.
 

3)    أثر الفتوى في نفي التحريف والتبديل عن الدين، وذلك أن هناك من يُلبس على الناس أمور دينهم، (وهذا الدين لا يُنسخ أبداً، لكن يكون فيه من يُدخِل من التحريف والتبديل والكذب والكتمان ما يُلبس به الحق بالباطل، ولا بد أن يقيم الله فيه من تقوم به الحجة خلفاً عن الرسل فينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين فيحق الله الحق ويبطل الباطل ولو كره المشركون.
 

فالكتب المنزلة من السماء والأثارة من العلم المأثورة عن خاتم الأنبياء يميز الله بها الحق من الباطل ويحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه)(20)، ولما حصل الاعتراض على ابن تيمية في تأليفه العقيدة الواسطية قال: (لم يصدر مني قط إلا جواب مسائل، وإفتاء مستفت، ما كاتبت أحدا أبدا ولا خاطبته في شيء من هذا، بل يجيئني الرجل المسترشد المستفتي بما أنزل الله على رسوله، فيسألني مع بُعده، وهو محترق على طلب الهدى، أفيسعني في ديني أن أكتمه العلم)(21).
 

4)    كثرة المتصدرين للفتوى ممن ليسوا لها بأهل، مما أوقع الناس في كثير من اللبس، وفي هذا دعوة للمتأهلين من أهل العلم بالمبادرة في تعليم الناس وإفتائهم في زمن كثر فيه من يفتي ممن ليس بأهل، وقد قال بعض أصحاب الإمام أحمد له: يا أبا عبد الله كنت أراك تقف عن أشياء في الفقه بان لك فيها قول؟ فقال: هذا زمان مبادرة، هذا زمان عمل (22).
 

5)     أهمية الاحتساب على الفتاوى الشاذة المخالفة لمنهج أهل السنة والجماعة، وقد كان ابن تيمية شديد الإنكار على أصحاب الفتاوى المخالفة، حتى قال: (قال لي بعض هؤلاء: أجُعِلت محتسباً على الفتوى؟ فقلت له: يكون على الخبازين والطباخين محتسب، ولا يكون على الفتوى محتسب!) (23).
 

6)    كثرة المزالق والشبه التي يتعرض لها من يسير في طلب العلم، مما يُحتم بيان هذه المزالق، وكشف هذه الشبه، و(لما أشكل على مسدد بن مسرهد بن مسربل أمر الفتنة وما وقع الناس فيه من الاختلاف في القدر والرفض والاعتزال وخلق القرآن والإرجاء كتب إلى أحمد بن حنبل: اكتب إلي بسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلما ورد كتابه على أحمد بن حنبل بكى وقال: إنا لله وإنا إليه راجعون يزعم هذا البصري أنه قد أنفق على العلم مالا عظيما وهو لا يهتدي إلى سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فكتب إليه: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي جعل في كل زمان بقايا من أهل العلم يدعون من ضل إلى الهدى، وينهونه عن الردى، يحيون بكتاب الله تعالى الموتى، وبسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أهل الجهالة والردى، فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه، وكم من ضال تائه قد هدوه، فما أحسن آثارهم على الناس، ينفون عن دين الله عز وجل تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الضالين، الذين عقدوا ألوية البدع وأطلقوا عنان الفتنة يقولون على الله وفي الله - تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا - وفي كتابه بغير علم فنعوذ بالله من كل فتنة مضلة، وصلى الله على محمد، أما بعد...) (24).
 

7)    دخول الفتوى في المجال السياسي المنحرف، وتسبب ذلك في أمرين:
الأول: إلباس المخالفات الشرعية باللبوس الشرعي.
الثاني: توهين مكانة الشريعة في نفوس الناس.

 

8)    تعدد منافذ الفتوى واتساعها، حيث شملت الكتب، والصحف، والمواقع الإلكترونية، والقنوات الفضائية، والرسائل الهاتفية، وغيرها من المنافذ.
مما يستدعي ضبط مسالك الإفتاء العقدي، وتقويم مسيرته، والتحذير من مواطن الزلل فيه، و(قلّ من حرص على الفتوى وسابق إليها وثابر عليها إلاّ قلّ توفيقه واضطرب في أمره، وإن كان كارها لذلك غير مختار له ما وجد مندوحة عنه وقدر أن يحيل بالأمر فيه إلى غيره كانت المعونة له من الله أكثر، والصلاح في جوابه وفتاويه أغلب) (25).

 

المبحث الثالث: ضوابط ومحاذير في الفتاوى العقدية.
1)    أن من معالم الفتوى العقدية سلوكها منهج أهل السنة والجماعة في اعتبار مصادر التلقي الصحيحة، والأخذ بطرق الاستدلال القويمة التي سار عليها السلف الصالح من الصحابة ومن تبعهم بإحسان، فإن الانحراف عن هذه الجادة أورث الضلالةَ أقوامٌ اعتبروا مصادر لم يعتبرها الشرع من الذوق أو الرؤى والمنامات، أو سلكوا في الاستدلال التحريف والتعطيل، والتأويل بلا دليل.

 

2)    أهمية كشف تزييف الواقع، والتلبيس على الناس، وذلك أن دعاة على أبواب جهنم من بني جلدتنا قد تصدروا للناس يدلونهم على دروب الضلالة، ومسالك الغواية تلفيقاً مع المناهج الغربية تارة، أو انبهاراً بالمدنية العصرية تارة أخرى، كل ذلك إرضاء لأهل الضلالة، كما قال حذيفة رضي الله عنه:(كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير، وكنت أسأله عن الشر، مخافة أن يدركني، فقلت: يا رسول الله، إنا كنا في جاهلية وشر، فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: "نعم" قلت: وهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: "نعم، وفيه دخن" قلت: وما دخنه؟ قال: "قوم يهدون بغير هديي، تعرف منهم وتنكر" قلت: فهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: "نعم، دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها" قلت: يا رسول الله صفهم لنا، قال: "هم من جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا" قلت: فما تأمرني إن أدركني ذلك؟ قال: "تلزم جماعة المسلمين وإمامهم" قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: "فاعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تعض بأصل شجرة، حتى يدركك الموت وأنت على ذلك") (26).
 

3)     أهمية الفتوى بالألفاظ الواضحة البينة، والحذر من الإجمال والإلباس بالألفاظ الموهمة المجملة إلا بما يُبين مجملها، فكم من فتوى ألبست على من سمعها، وذلك أنه يلزم المفتي في المسائل العقدية (أن يبين الجواب بياناً يزيل الإشكال)(27)، فإنه لا يجوز للمفتي الإلباس على (السائل وإلقاؤه في الإشكال والحيرة، بل عليه أن يبين بياناً مزيلا للإشكال، متضمناً لفصل الخطاب، كافيا في حصول المقصود، لا يحتاج معه إلى غيره) (28)، لأن (كثيراً من نزاع الناس سببه ألفاظ مجملة مبتدعة ومعان مشتبهة، حتى تجد الرجلين يتخاصمان ويتعاديان على إطلاق ألفاظ ونفيها، ولو سئل كل منهما عن معنى ما قاله لم يتصوره فضلا عن أن يعرف دليله، ولو عرف دليله لم يلزم أن من خالفه يكون مخطئا، بل يكون في قوله نوع من الصواب، وقد يكون هذا مصيبا من وجه وهذا مصيبا من وجه، وقد يكون الصواب في قول ثالث) (29)، والحذر من مجاراة تلك الألفاظ ذات التداول الإعلامي أو العالمي إلا بما يبينها، كلفظ: الإرهاب، الآخر، الإنسانية، ...
وصدق ابن القيم حين قال:

فعليك بالتفصيل والتمييز فالإ *** طلاق والإجمال دون بيان
قد أفسدا هذا الوجود وخبطا الـ *** ـأذهان والآراء كل زمان (30).

 

4)    تنزيل الفتاوى العقدية على الواقع بين الإفراط والتفريط، وذلك أن الفتوى العقدية مرتبطة بواقع الحال في كثير من المسائل، كمسائل الحكم على المعين في مسائل التكفير والتبديع والتفسيق ونحو ذلك، وكذلك الحكم على الطوائف والجماعات، فمن المهم للمفتي في المسائل العقدية عدم التجريد النظري للفتوى مع وجود الحاجة لتنزيلها على المُعَيَّن، وفي المقابل قد تكون المصلحة في عدم تنزيل الفتوى على الواقع إما لعدم توافر العلم الكافي عن المعين، أو لما قد يترتب من ذكر المعين من مفسدة أعظم، أو نحو ذلك.
 

5)     أهمية المبادرة من أهل العلم والفتوى في التعامل مع الأحداث والنوازل التي تنزل بأهل الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها، كما كانت آيات القرآن تنزل بياناً للوقائع والأحداث، فإن العالِم متى تأخر في البيان تولى زمام ذلك الجاهل، وتأخير البيان عن وقت الحاجة ليس من سبيل أهل الرسوخ في العلم، وكما قال بعض أصحاب الإمام أحمد له: يا أبا عبد الله كنت أراك تقف عن أشياء في الفقه بان لك فيها قول؟ فقال: هذا زمان مبادرة، هذا زمان عمل (31).
 

6)    أهمية معرفة واقع السؤال قبل تنزيل الفتوى العقدية عليه، وذلك أنه (لا يتمكن المفتي ولا الحاكم من الفتوى والحكم بالحق إلا بنوعين من الفهم:
أحدهما: فهم الواقع والفقه فيه واستنباط علم حقيقة ما وقع بالقرائن والأمارات والعلامات حتى يحيط به علما.
والنوع الثاني: فهم الواجب في الواقع، وهو فهم حكم الله الذي حكم به في كتابه أو على لسان رسوله في هذا الواقع، ثم يطبق أحدهما على الآخر.

 

فمن بذل جهده واستفرغ وسعه في ذلك لم يعدم أجرين أو أجرا؛ فالعالم من يتوصل بمعرفة الواقع والتفقه فيه إلى معرفة حكم الله ورسوله) (32)، وليحذر المفتي من استدراج أهل الأهواء لفتواه فإنه إذا (كان المتحاكم إلى الحاكم والعالم: من المنافقين الذين يتخيرون بين القبول من الكتاب والسنة وبين ترك ذلك لم يجب عليه الحكم بينهم، وهذا من حجة كثير من السلف الذين كانوا لا يحدثون المعلنين بالبدع بأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، ومن هذا الباب: من لا يكون قصده في استفتائه وحكومته الحق بل غرضه من يوافقه على هواه كائنا من كان سواء كان صحيحا أو باطلا) (33).
 

7)    الحذر من وصف الفتوى بأنها حكم الله أو حكم رسوله صلى الله عليه وسلم إلا في الأمور التي فيها نص ثابت، أما الفتاوى المحتملة فإنها اجتهاد من المفتي قد يصيب فيها أو لا، وكثيراً ما يُنازع بعض الناس في تنزيل فتوى عقدية على الواقع، وتحقيق المناط لها، بأنها حكم الله، وهو مما يدخله الاحتمال والاجتهاد، وفي حديث بريدة ابن الحصيب رضي الله عنه قال:(كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمر أميرا على جيش، أو سرية، أوصاه في خاصته بتقوى الله، ومن معه من المسلمين خيراً، ...، وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تنزلهم على حكم الله، فلا تنزلهم على حكم الله، ولكن أنزلهم على حكمك، فإنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم أم لا) (34).
 

8)    الفتوى العقدية بين التفصيل والإجمال:
وذلك أن مِن أهل العلم من رأى المنع من الفتوى في المسائل العقدية على سبيل التفصيل، وأن الصواب فيها هو الإيمان جملة(35).

 

وهذا القول إن كان المراد به المنع من إفتاء عامة الناس بما تستنكره العقول السليمة فهذا حق، وقد قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: (حدثوا الناس بما يعرفون أتحبون أن يكذب الله ورسوله) (36)، وقال عبد الله ابن مسعود رضي الله عنه: (ما أنت بمحدث قوما حديثا لا تبلغه عقولهم، إلا كان لبعضهم فتنة) (37).
 

وإن كان المراد به المنع من بيان تفاصيل العقيدة، خصوصاً عند من التبست لديه، وأن طريقة السلف أسلم وطريقة الخلف أعلم وأحكم، أو التفويض في نصوص الصفات، ونحو ذلك، فهذا مردود بفتاوى النبي صلى الله عليه وسلم في تفاصيل أمور الاعتقاد، وكذا فتاوى أصحابه وأئمة الفتوى من بعدهم ممن سار على هديهم، مما سيأتي – إن شاء الله - أمثلة منه.
 

9)    لا تضليل في مسائل الاجتهاد العقدي، وذلك أن المسألة إذا كانت من المسائل التي يسوغ الخلاف فيها فالواجب فيها البيان دون التضليل والتبديع، وذلك مثل تنزيل بعض الأحكام المحتملة على المعين في مسائل التكفير أو التبديع أو التفسيق، فإن الواجب في مثل هذه المسائل هو بيان القول الراجح بالدليل والبرهان، مع بيان ضعف القول الآخر، ففي قصة الإفك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال وهو على المنبر: ("يا معشر المسلمين من يعذرني من رجل قد بلغ أذاه في أهل بيتي فوالله ما علمت على أهلي إلا خيرا، ولقد ذكروا رجلا ما علمت عليه إلا خيرا، وما كان يدخل على أهلي إلا معي" فقام سعد بن معاذ الأنصاري، فقال: أنا أعذرك منه، يا رسول الله إن كان من الأوس ضربنا عنقه وإن كان من إخواننا الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك، قالت: فقام سعد بن عبادة وهو سيد الخزرج، وكان رجلا صالحا، ولكن اجتهلته(38) الحمية، فقال لسعد بن معاذ: كذبت لعمر الله لا تقتله، ولا تقدر على قتله فقام أسيد بن حضير - وهو ابن عم سعد بن معاذ -، فقال لسعد بن عبادة: كذبت لعمر الله لنقتلنه فإنك منافق تجادل عن المنافقين فثار الحيان الأوس والخزرج حتى هموا أن يقتتلوا ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم على المنبر، فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يخفضهم حتى سكتوا وسكت)(39).
 

وقال عمر في حق حاطب ابن أبي بلتعة رضي الله عنهم (دعني، يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق، فقال: إنه قد شهد بدراً، وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم)(40).
 

(وإذا كان المسلم متأولا في القتال أو التكفير لم يكفر بذلك كما قال عمر ابن الخطاب لحاطب بن أبي بلتعة: "يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إنه قد شهد بدرا وما يدريك أن الله قد اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم"، وهذا في الصحيحين. وفيهما أيضا: من حديث الإفك: "أن أسيد بن الحضير. قال لسعد بن عبادة: إنك منافق تجادل عن المنافقين واختصم الفريقان فأصلح النبي صلى الله عليه وسلم بينهم".
 

فهؤلاء البدريون فيهم من قال لآخر منهم: إنك منافق ولم يكفر النبي صلى الله عليه وسلم لا هذا ولا هذا بل شهد للجميع بالجنة)(41)، (فدل على أن الرجل قد يكفر آخر بالتأويل، ولا يكون واحد منهما كافراً) (42)، (والخطأ المغفور في الاجتهاد هو في نوعي المسائل الخبرية والعلمية...كمن اعتقد ثبوت شيء لدلالة آية أو حديث وكان لذلك ما يعارضه ويبين المراد ولم يعرفه، ...أو اعتقد أن من جس للعدو وأعلمهم بغزو النبي صلى الله عليه وسلم فهو منافق: كما اعتقد ذلك عمر في حاطب وقال: دعني أضرب عنق هذا المنافق. أو اعتقد أن من غضب لبعض المنافقين غضبة فهو منافق؛ كما اعتقد ذلك أسيد بن حضير في سعد بن عبادة وقال: إنك منافق تجادل عن المنافقين) (43)، وذلك(أن الرجل المؤمن الذي هو ولي لله قد يعتقد كفر الرجل المؤمن الذي هو ولي لله، ويكون مخطئا في هذا الاعتقاد ولا يقدح هذا في إيمان واحد منهما وولايته) (44).
 

المبحث الرابع: أمثلة للفتاوى العقدية.
في هذا المبحث يمكن أن تذكر جملة من أمثلة الفتاوى العقدية ابتداء من فتوى الله عز وجل ثم فتاوى النبي صلى الله عليه وسلم، ومروراً بالقرون المفضلة وأئمة الإسلام بعد ذلك، فمن ذلك:

 

أولاً: فتوى الله عز وجل:
ففي إثبات صفة القرب لله سبحانه، قال تعالى: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) البقرة: ١٨٦.

 

وفي الإخبار عن الغيبيات من أمور الساعة، قال تعالى: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) الأعراف: ١٨٧.
 

وعن عائشة، رضي الله عنها قالت: سحر رسولَ الله صلى الله عليه وسلم رجلٌ من بني زريق، يقال له لبيد بن الأعصم، حتى كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخيل إليه أنه كان يفعل الشيء وما فعله، حتى إذا كان ذات يوم أو ذات ليلة وهو عندي، لكنه دعا ودعا، ثم قال: (يا عائشة، أشعرت أن الله أفتاني فيما استفتيته فيه، أتاني رجلان، فقعد أحدهما عند رأسي، والآخر عند رجلي، فقال أحدهما لصاحبه: ما وجع الرجل؟ فقال: مطبوب، قال: من طبه؟ قال: لبيد بن الأعصم، قال: في أي شيء؟ قال: في مشط ومشاطة، وجف طلع نخلة ذكر، قال: وأين هو؟ قال: في بئر ذروان) فأتاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في ناس من أصحابه، فجاء فقال: (يا عائشة، كأن ماءها نقاعة الحناء، أو كأن رءوس نخلها رءوس الشياطين)، قلت: يا رسول الله: أفلا استخرجته؟ قال: (قد عافاني الله، فكرهت أن أثور على الناس فيه شرا)(45).
 

ثانياً: فتاوى النبي صلى الله عليه وسلم:
فمن ذلك في مسألة رؤية الله عز وجل جاء في حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: (قالوا: يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال: "هل تضارون في رؤية الشمس في الظهيرة، ليست في سحابة؟" قالوا: لا، قال: "فهل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر، ليس في سحابة؟" قالوا: لا، قال: "فوالذي نفسي بيده لا تضارون في رؤية ربكم، إلا كما تضارون في رؤية أحدهما، قال: فيلقى العبد، فيقول: أي فل ألم أكرمك، وأسودك، وأزوجك، وأسخر لك الخيل والإبل، وأذرك ترأس وتربع؟ فيقول: بلى، قال: فيقول: أفظننت أنك ملاقي؟ فيقول: لا، فيقول: فإني أنساك كما نسيتني، ثم يلقى الثاني فيقول: أي فل ألم أكرمك، وأسودك، وأزوجك، وأسخر لك الخيل والإبل، وأذرك ترأس، وتربع، فيقول: بلى، أي رب فيقول: أفظننت أنك ملاقي؟ فيقول: لا، فيقول: فإني أنساك كما نسيتني، ثم يلقى الثالث، فيقول له مثل ذلك، فيقول: يا رب آمنت بك، وبكتابك، وبرسلك، وصليت، وصمت، وتصدقت، ويثني بخير ما استطاع، فيقول: هاهنا إذا، قال: ثم يقال له: الآن نبعث شاهدنا عليك، ويتفكر في نفسه: من ذا الذي يشهد علي؟ فيختم على فيه، ويقال لفخذه ولحمه وعظامه: انطقي، فتنطق فخذه ولحمه وعظامه بعمله، وذلك ليعذر من نفسه، وذلك المنافق وذلك الذي يسخط الله عليه)(46).

 

وفي عموم بعثة النبي صلى الله عليه وسلم جاء في حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: بينما نحن جلوس مع النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد، دخل رجل على جمل، فأناخه في المسجد ثم عقله، ثم قال لهم: أيكم محمد؟ والنبي صلى الله عليه وسلم متكئ بين ظهرانيهم، فقلنا: هذا الرجل الأبيض المتكئ، فقال له الرجل: يا ابن عبد المطلب فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "قد أجبتك". فقال الرجل للنبي صلى الله عليه وسلم: إني سائلك فمشدد عليك في المسألة، فلا تجد علي في نفسك؟ فقال: "سل عما بدا لك" فقال: أسألك بربك ورب من قبلك، آلله أرسلك إلى الناس كلهم؟ فقال: "اللهم نعم". قال: أنشدك بالله، آلله أمرك أن نصلي الصلوات الخمس في اليوم والليلة؟ قال: "اللهم نعم". قال: أنشدك بالله، آلله أمرك أن نصوم هذا الشهر من السنة؟ قال: "اللهم نعم". قال: أنشدك بالله، آلله أمرك أن تأخذ هذه الصدقة من أغنيائنا فتقسمها على فقرائنا؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "اللهم نعم". فقال الرجل: آمنت بما جئت به، وأنا رسول من ورائي من قومي، وأنا ضمام بن ثعلبة أخو بني سعد بن بكر)(47).
 

ثالثاً: فتاوى الصحابة:
فمن ذلك في مسألة الإيمان بالقدر ما ذكره يحيى بن يعمر، قال: (كان أول من قال في القدر بالبصرة معبد الجهني، فانطلقت أنا وحميد بن عبد الرحمن الحميري حاجين - أو معتمرين - فقلنا: لو لقينا أحدا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسألناه عما يقول هؤلاء في القدر، فوفق لنا عبد الله بن عمر بن الخطاب داخلا المسجد، فاكتنفته أنا وصاحبي أحدنا عن يمينه، والآخر عن شماله، فظننت أن صاحبي سيكل الكلام إلي، فقلت: أبا عبد الرحمن إنه قد ظهر قبلنا ناس يقرءون القرآن، ويتقفرون العلم، وذكر من شأنهم، وأنهم يزعمون أن لا قدر، وأن الأمر أنف، قال: "فإذا لقيت أولئك فأخبرهم أني بريء منهم، وأنهم برآء مني"، والذي يحلف به عبد الله بن عمر "لو أن لأحدهم مثل أحد ذهبا، فأنفقه ما قبل الله منه حتى يؤمن بالقدر") (48).

 

وعن ابن الديلمي، قال: (وقع في نفسي شيء من هذا القدر، خشيت أن يفسد علي ديني وأمري، فأتيت أبي بن كعب، فقلت: أبا المنذر، إنه قد وقع في نفسي شيء من هذا القدر، فخشيت على ديني وأمري، فحدثني من ذلك بشيء، لعل الله أن ينفعني به، فقال: "لو أن الله عذب أهل سماواته وأهل أرضه، لعذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم لكانت رحمته خيرا لهم من أعمالهم، ولو كان لك مثل جبل أحد ذهبا، أو مثل جبل أحد تنفقه في سبيل الله، ما قبل منك حتى تؤمن بالقدر، فتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وأنك إن مت على غير هذا دخلت النار" ولا عليك أن تأتي أخي عبد الله بن مسعود، فتسأله، فأتيت عبد الله، فسألته، فذكر مثل ما قال أبي وقال لي: ولا عليك أن تأتي حذيفة، فأتيت حذيفة، فسألته، فقال مثل ما قالا، وقال: ائت زيد بن ثابت، فاسأله، فأتيت زيد بن ثابت، فسألته، فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لو أن الله عذب أهل سماواته وأهل أرضه، لعذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم لكانت رحمته خيرا لهم من أعمالهم، ولو كان لك مثل أحد ذهبا، أو مثل جبل أحد ذهبا تنفقه في سبيل الله، ما قبله منك حتى تؤمن بالقدر كله، فتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، وأنك إن مت على غير هذا دخلت النار") (49).
 

رابعاً: فتاوى العلماء بعد الصحابة:
1/ سفيان الثوري:
قال ابن معدان، سألت الثوري: {وهو معكم أينما كنتم}، قال: "علمه"(50).

 

2/ الإمام مالك ابن أنس:
فمن ذلك ما ذكره يحيى بن يحيى، يقول: كنا عند مالك بن أنس فجاء رجل فقال: يا أبا عبد الله، {الرحمن على العرش استوى} [طه: 5] فكيف استوى؟ قال: فأطرق مالك برأسه حتى علاه الرحضاء ثم قال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وما أراك إلا مبتدعاً فأمر به أن يخرج (51).

 

3/ أحمد بن حنبل:
فمن ذلك أن الإمام أحمد سئل عمن قال: القرآن مخلوق، كافر؟ فقال: إي والله (52).

 

المبحث الخامس: أثر الفتوى العقدية على الأمة.
إن الفتوى العقدية لا ترتبط بمذهب فقهي، ولا تنحصر بإقليم جغرافي، وإنما يضبطها قواعد أهل السنة والجماعة في التلقي والاستدلال، وعلى ذلك فإن المفتي من أهل السنة والجماعة تسري فتواه في أقاصي البلاد ويأخذ بها المسلمون من أي بلد وعلى أي مذهب فقهي كان، وهذا مما يبين عظيم أثر الفتوى العقدية على الأمة.

 

والواقع العملي للمسلمين في الأحداث والنوازل الكبرى يبين بوضوح أثر الفتوى العقدية على جميع المسلمين، فترى المفتي في الشرق يتردد صدى فتواه في الغرب، خصوصاً إن كان ممن له قدم صدق في الأمة ويحمل همومها، ويستشعر قول النبي صلى الله عليه وسلم: (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا، وشبك بين أصابعه) (53).
 

وقد كان علماء الأمة من السابقين، ومن سار على دربهم من اللاحقين، تتطلع الأمة لبيانهم في القضايا العقدية، من دفع تحريف الغالين، وتلبيس المبطلين، وتغريب أهل الشهوات والشبهات، ومن ذلك موقف ابي بكر في الفتنة، فعن عن أبي هريرة، قال: (لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، واستخلف أبو بكر بعده، وكفر من كفر من العرب، قال عمر بن الخطاب لأبي بكر: كيف تقاتل الناس، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فمن قال: لا إله إلا الله، فقد عصم مني ماله، ونفسه، إلا بحقه وحسابه على الله "، فقال أبو بكر: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة، والزكاة، فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عقالا كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعه، فقال عمر بن الخطاب: فوالله، ما هو إلا أن رأيت الله عز وجل قد شرح صدر أبي بكر للقتال، فعرفت أنه الحق)( ).
 

وكذلك موقف الإمام أحمد في المحنة، لما ثبت في قضية خلق القرآن والناس يتطلعون، وكان يقول (إذا أجاب العالم تقية والجاهل بجهل فمتى يتبين الحق)(55).
 

وكلما كان المفتي يستحضر حال المسلمين في عموم الأمة كان ذلك أبلغ في نفوس الناس، وبقدر امتلاء فتوى المفتي بمعاني العزة، وروح التفاؤل، ورسوخ العالِم يكون استقبال الناس لفتواه، وذلك أنه مما ينبغي أن يستحضره المفتي وهو يكتب فتواه، أن يكتب بمداد روحه تحرقاً على حال كثير من المسلمين من تخطف شبهات الإلحاد لبعض المبتعثين للدراسة في بلاد المادية المُلحدة، التي لا تقيم للأديان وزناً، وتحكيم غير شريعة الإسلام، وانتشار العقائد الباطلة، والمذاهب الفكرية الهدامة، وتَهَتُّكِ أوثق عرى الإيمان من معاني الولاء والبراء في نفوس كثير من المنتسبين للإسلام، وإضعاف مقام العبودية عند الناس بإغراقهم في أوحال الشهوات، وتعليق قلوب كثير من الناس بالخرافات من الاستشفاع والاستشفاء عند الأضرحة والمقامات، وأُلقي في نفوسهم الوهن من حب الدنيا والركون إليها ونسيان الآخرة وكراهية الموت، مما جعل كثير منهم غثاءً كغثاء السيل.
 

المبحث السادس:الفتوى في النوازل العقدية.
تمر بالأمة في العصور المتأخرة جملة من النوازل والواقعات التي تستدعي من أهل العلم بيان حالها وتنزيل الحكم الشرعي عليها، وذلك في جملة من الصور والتطبيقات لبعض المسائل العقدية، فمن ذلك الحكم على بعض الجماعات والفرق المعاصرة، والحكم على التطبيقات المعاصرة لبعض مسائل الرقى والتمائم، وما يتعلق بالأقليات الإسلامية من نوازل، وما يستجد من ألفاظ هي داخلة ضمن المناهي اللفظية.

 

ومما ينبغي التأكيد عليه في هذا المبحث عدة مسائل:
1)     أهمية تصور النازلة العقدية في ذاتها ومعرفة حقيقة واقعها بحيث يمكن تنزيل الحكم عليها، فكم جانَبَ الصواب مَن حَكَم على نازلة أو جماعة لم يَتصور حقيقة حالها.
2)    أهمية الصدور ما أمكن في مثل هذه النوازل عن الاجتهاد الجماعي لأهل العلم في مثل المجامع العلمية المعتبرة.
3)    استيفاء دراسة مثل هذه النوازل في البحوث والدراسات والرسائل الجامعية.
4)    إعمال مقاصد الشريعة، وسد الذرائع المفضية لأبواب الشرك، وإغلاق أبواب الإحداث والبدعة في الدين.
5)    الرفق بعامة المسلمين لقلة علمهم أو التلبيس عليهم في مثل هذه المسائل.
6)    أهمية مراعاة مراتب المصالح والمفاسد عند الإفتاء في أبواب الاعتقاد، فكم من قول لم تبلغه عقول بعض الناس أصبح لهم فتنة أو حصل بسببه تكذيب لله ورسوله صلى الله عليه وسلم.

 

المبحث السابع: الفتوى في القضايا الفكرية.
والمقصود بالقضايا الفكرية هنا: (مجموعة التصورات العقلية التي لا يستند أصحابها في تقييمها على الوحي ويكون لها ارتباط بالمسائل العقدية)، مثل الحرية والعدل والأخلاق وحدود العقل والغلو بطرفيه ونحو ذلك، وكثير منها لها ارتباط بمسائل التحسين والتقبيح العقلي ومدى ارتباط ذلك بالشرع.

 

وذلك أن كثيراً من التصرفات العملية تكون مسبوقة بتصورات فكرية تُمهد لها الطريق، كما قال الله عن ابن آدم (فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ) المائدة: ٣٠.
 

ومما ينبغي التأكيد عليه في هذا المبحث – إضافة لما سبق من الفتوى في النوازل - عدة مسائل:
1)     خطورة القضايا الفكرية على الشباب والفتيات، حيث لها بريق يوحي بالعُمق العقلي، مع الاستقلال وعدم التبعية.
2)    كثرة الانحرافات في هذه القضايا بسبب انتشارها وسهولة القراءة والتواصل مع أصحابها في وسائل التواصل والشبكات الاجتماعية.
3)    أهمية العناية بالأدلة والمناقشات العقلية في هذه القضايا.
4)    العناية بترسيخ منهج أهل السنة والجماعة في بيان مصادر التلقي وطرق الاستدلال على المسائل العقدية.
5)    العناية بكشف الانحرافات العقدية المتلبسة بلبوس النظريات العلمية والتجريبية.
6)     أهمية تقرير القيم والمبادئ وفق الحدود الشرعية، وتنقيتها من التصورات الغربية المنحرفة.
7)     العناية بتكوين المعايير العقلية الصحيحة في نقد المعلومات وتمييز صحيحها من سقيمها.

 

المبحث الثامن: المؤلفات في الفتاوى العقدية.
يمكن تقسيم المؤلفات في الفتاوى العقدية إلى خمسة أقسام:
الأول: إفراد مؤلفات على سبيل الفتوى العقدية: وهذا كثير، ومن ذلك:
1)    الصابوني في كتابه (عقيدة السلف أصحاب الحديث).
2)    اللالكائي في كتابه (شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة).
3)    ابن تيمية في كتابه (الفتوى الحموية).
4)    الشوكاني في كتابه (التحف في مذاهب السلف).

 

الثاني: مجاميع الفتاوى ومن ضمنها الفتاوى العقدية: وهذا كثير، ومن ذلك:
1)     مجموع فتاوي ابن تيمية، جمع: عبد الرحمن بن قاسم.
2)    الدرر السنية من الأجوبة النجدية، جمع: عبد الرحمن بن قاسم.
3)    فتاوى اللجنة الدائمة للإفتاء بالمملكة العربية السعودية، جمع: أحمد الدويش.

 

الثالث: من تَقَصَّد جمع الفتاوى العقدية في موضع واحد:
1)     ولعل أول من اعتنىبالفتاوى العقدية وجمعها في مكان واحد هو الإمام ابن القيم رحمه الله، في أواخر كتابه البديع إعلام الموقعين (56).
2)    الأجوبة الشوكانية عن الأسئلة الحفظية، محمد الشوكاني، تحقيق:
عبد الآخر الغنيمي، وهي أجوبة عن بعض مسائل الاعتقاد.

 

الرابع: المؤلفات التي اعتنت بجمع الفتاوى العقدية ودراستها:
1)    فتاوى رسول الله صلى الله عليه وسلم في أصول الإيمان من خلال الكتب الستة، وصال بنت عبد العزيز الحسن، رسالة ماجستير في قسم العقيدة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
2)    فتاوى النبي صلى الله عليه وسلم في العقيدة جمعاً ودراسة، يوسف حسن الحمادي، رسالة ماجستير في قسم العقيدة، الجامعة الإسلامية.
3)    فتاوى علماء المالكية في تقرير عقيدة أهل السنة والجماعة جمعاً ودراسة، فاضل نور الدين، رسالة ماجستير في قسم العقيدة، الجامعة الإسلامية.

 

الخامس: تأصيل الفتوى العقدية:
1)    أثر الفتوى في حماية العقيدة وإيضاح الشريعة، د. خالد المصلح، بحث مقدم لمجمع الفقه الإسلامي بمكة المكرمة.
2)     الفتوى وتأكيد الثوابت الشرعية، د. خالد المزيني، بحث مقدم لمجمع الفقه الإسلامي بمكة المكرمة.
3)     الفتوى وأثرها في حماية المعتقد وتحقيق الوسطية، د. فهد الجهني، بحث مقدم لمجمع الفقه الإسلامي بمكة المكرمة.

 

الخاتمة وأهم التوصيات:
في ختام هذا البحث أحمد الله على ما وفق وأعان، وأشير إلى التوصيات التالية:
1)    إنشاء مجمع علمي يُعنى بالبيان والإفتاء في القضايا والنوازل العقدية.
2)    العناية بالفتاوى العقدية فيما يتعلق بالأقليات الإسلامية.
3)    أهمية المبادرة في إجابة أسئلة الشباب الحائرة بسبب طغيان المادية.
4)    أهمية تحرير وبيان المصطلحات العقدية التي يتم التلاعب بها في المجال الإعلامي والعالمي.
5)    أهمية المشاركة الفاعلة في شبكات التواصل الاجتماعي للإجابة على الفتاوى العقدية وبيان القضايا الفكرية.

 

_________________________________________

(1) معجم مقاييس اللغة لابن فارس 4/474.
(2) المصباح المنير للفيومي 2/462.
(3) ينظر: جمهرة اللغة لابن دريد 3/1231.
(4) كتاب العين للخليل بن أحمد 5/187، وينظر: 8/137.
(5) وينظر: القاموس المحيط 1/1320.
(6) تاج العروس 39/ 211، 212.
(7) ينظر: مواهب الجليل 1/32، شرح مختصر خليل للخرشي 3/103.
(8) مع التنبيه على أن هذا التعريف لا ينطبق على فتاوى الله عز وجل وفتاوى النبي صلى الله عليه وسلم لأنها مُلزِمة.
(9) ينظر: إعلام الموقعين لابن القيم 4/133.
(10) معجم مقاييس اللغة 5/417.
(11) المصباح المنير 2/421.
(12) ينظر: معجم المناهي اللفظية لبكر أبو زيد ص 666.
(13) ينظر: الانتصار للشيح عبد المحسن العباد ص 23.
(14) أخرجه الدارمي رقم (235) وقال المحقق: إسناده صحيح.
(15) مجموع الفتاوى 11/336.
(16) أدب المفتي والمستفتي لابن الصلاح ص 72.
وينظر: إعلام الموقعين لابن القيم 2/176.
(17) المجموع للنووي 1/40.
(18) إعلام الموقعين لابن القيم 1/9.
(19) أخرجه البخاري رقم (100) وهذا لفظه، ومسلم رقم (2673).
(20) مجموع فتاوي ابن تيمية 11/435.
(21) مجموع فتاوي ابن تيمية 3/258.
(22) ينظر: مناقب الإمام أحمد ابن حنبل، لابن الجوزي ص 385.
(23) إعلام الموقعين لابن القيم 4/ 167.
(24) طبقات الحنابلة لأبي يعلى 1/342.
(25) بدائع الفوائد لابن القيم 3/277.
(26) أخرجه البخاري رقم (7084) وهذا لفظه، ومسلم رقم (1847).
(27) المجموع للنووي 1/49.
(28) إعلام الموقعين لابن القيم 4/136.
(29) مجموع فتاوي ابن تيمية 12/114.
(30) القصيدة النونية (الكافية الشافية) لابن القيم ص 52.
(31) ينظر: مناقب الإمام أحمد ابن حنبل، لابن الجوزي ص 385.
(32) إعلام الموقعين لابن القيم 1/69.
(33) مجموع فتاوي ابن تيمية 28/ 198.
(34) أخرجه مسلم رقم (1731).
(35) ينظر: أدب المفتي والمستفتي لابن الصلاح 1/ 153، المجموع للنووي 1/ 52، صفة الفتوى لابن حمدان ص 44.
(36) ذكره البخاري معلقاً رقم (127)، وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى رقم (610).
(37) أخرجه مسلم في المقدمة رقم (5).
(38) وفي لفظ البخاري "احتملته".
(39) أخرجه البخاري رقم (4141)، ومسلم رقم (2770) وهذا لفظه.
(40) أخرجه البخاري رقم (3007)، ومسلم رقم (2494) وهذا لفظه.
(41) مجموع فتاوي ابن تيمية 3/283، وينظر: 20/33.
(42) منهاج السنة لابن تيمية 4/333.
(43) مجموع الفتاوي لابن تيمية 20/ 33-35.
(44) منهاج السنة لابن تيمية 6/255.
(45)أخرجه البخاري رقم (5763) وهذا لفظه، ومسلم رقم (2189).
(46) أخرجه البخاري رقم (806)، ومسلم رقم (2968) وهذا لفظه.
(47) أخرجه البخاري رقم (63) وهذا لفظه، ومسلم رقم (12).
(48) أخرجه مسلم رقم (8).
(49) أخرجه ابن ماجه رقم (77)، وصححه الألباني.
(50) أخرجه البخاري في خلق أفعال العباد 1/30.
(51) أخرجه البيهقي بسنده في الأسماء والصفات رقم (867).
قال الذهبي في كتابه العلو 1/139: (هذا ثابت عن مالك).
(52) ينظر: أعلام الموقعين لابن القيم 4/127.
(53) أخرجه البخاري رقم (2446) وهذا لفظه، ومسلم رقم (2585).
(54) أخرجه البخاري رقم (1400)، ومسلم رقم (20) وهذا لفظه.
(55) الآداب الشرعية لابن مفلح 2/22.
(56) ينظر: أعلام الموقعين لابن القيم 4/205.

1 + 16 =