رسائل.. قبل أن توقِف
21 جمادى الأول 1439
عبد الله بن عبد اللطيف الحميدي

الوقف في سبيل الله عبادة وقربة يتقرب بها العبد إلى الله - سبحانه وتعالى - لذا فإنه يحسن بالمسلم قبل أن يشرع في هذه العبادة الجليلة أن يتهيأ ويستعد ببعض الأمور ومنها:
 

1-    أن يجاهد نيته في أن يكون وقفه خالصا لوجه الله - تعالى - لا يريد به رياءً ولا سمعة وليجعل قدوته في ذلك الخليفة الراشد، صديق الأمة - رضي الله عنه - الذي أنزل الله -تبارك وتعالى –فيه: {وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى * وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى * إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى * وَلَسَوْفَ يَرْضَى} [الليل: ١٧ –٢١].
 

وليحذر الواقف من فقدان الإخلاص فيحصل له الوعيد الشديد الذي جاء في حديث أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه في ذكر أوّل من تسعّر بهم النار يوم القيامة – والعياذ بالله - ومنهم: «..رَجُلٌ وَسّعَ الله عَلَيْهِ وَأَعْطَاهُ مِنْ أَصْنَافِ المَالِ كُلّهِ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: مَا تَرَكْتُ مِنْ سَبِيلٍ تُحِبّ أَنْ يُنْفَقَ فِيهَا إلاّ أَنْفَقْتُ فِيهَا لَكَ، قَالَ: كَذَبْتَ، ولكنك فَعَلْتَ لِيُقَالَ هُوَ جَوَادٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَىَ وَجْهِهِ، ثُمّ أُلْقِيَ فِي النّارِ ».(1) ولا حول ولا قوة إلا بالله.
 

2-    من الأمور المهمة التي ينبغي للواقف الاهتمام بها قبل أن يوقف أن يستشير أهل العلم والفضل وأهل الدراية والخبرة في شؤون الوقف وما يتعلق به من الناحية الشرعية ومن النواحي التنظيمية والإدارية، ومن النواحي المالية والاقتصادية، ونحو ذاك، على حدّ قول الأول:

الرأي كالليل مُسودٌ جـوانبه *** والليل لا ينجلي إلا بمــصباح
فاضمم مصابيح آراء الرجـال إلى *** مصباح رأيك تزدد ضوء مصباح(2)

 

3-    ومنها أن يثبت وقفه لدى جهات الاختصاص في المحاكم الشرعية فهذا أفضل وأحفظ للوقف، فإن لم يتيسر فليكتب الوثيقة بيده بعد أن يستشير أهل الخبرة، ثم يشهد عليها الشهود العدول أو يستعين بمكاتب المحاماة أو بمراكز الاستشارات الوقفية.
 

4-    على المسلم أن يولّى على وقفه الناظر الأمين الذي يعرف فضله وعدله وأمانته، وفي حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الخازن المسلم الأمين، الذي يُنفذ - وربما قال: يُعطي - ما أمر به كاملا موفرا طيبة به نفسه، فيدفعه إلى الذي أُمر له به أحد المُتَصَدِّقَينِ»(3).
 

5-    يحسن بالمسلم كذلك أن يعتنى بمصارف الوقف فيختار المصرف الأنفع والأحوج للمسلمين وأن يجعل في نصّ وثيقته ما يفيد بتغير المصرف وفق حاجة المسلمين في كل زمان.
 

6-    ينبغي للمسلم ألا يَغفل عن قرابته المحتاجين فالأقربون أولى بالمعروف، وجاء في حديث أبي طلحة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: «... وإني أرى أن تجعلها في الأقربين»، فقال أبو طلحة رضي الله عنه: أفعل يا رسول الله، فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه(4).
 

7-     ينبغي للمسلم إذا أثبت وثيقة وقفه وأشهد عليها أن يحفظها في مكان آمن ويخبر بموضعها من يثق فيه من أهل قرابته وصحبته وأن يجعل لها عدة نسخ كي يكون أحفظ لها وأبقى مع مراعاة تدوين تاريخها.
 

8-    يحسن بالمسلم أن يتعلّم أحكام الوقف والوصية ومسائلهما حتى لا يقع في المحذور الشرعي ولأجل أن تكون وثيقة الوقف أو الوصية موافقة لما شرعه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.
 

9-    كما ينبغي للمسلم أن يُضمن وصيته لورثته الوصية بتقوى الله - تعالى - والحرص على البر والصلة والإحسان وأن يوصي بأولاده من بنين وبنات خيراً وأن يختار الوصيّ التقيّ الذي يخاف الله ويتقيه ويرعى حاجاتهم ويقوم عليهم بما يفيدهم وينفعهم في الدنيا والآخرة.
 

10-    على المسلم أن يستعدّ للقاء الله - تعالى - فهو لا يدري متى يفجأه الأجل ويباغته هادم اللذات ومفرق الجماعات.
 

والموفق من جاهد نفسه في فعل الخير فأعانه الله عليه وسدده، كما قال الله تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} [العنكبوت: ٦٩] نسال الله تعالى أن يجعلنا منهم.
 

ونختم بهذا الحديث النبوي العظيم الذي يلخّص حال المسلم في هذه الحياة الدنيا، يقول حبيبنا صلى الله عليه وسلم فيما رواه أنس بن مالك رضي الله عنه: «يتبع الميت ثلاثة فيرجع اثنان ويبقى معه واحد يتبعه أهله وماله وعمله فيرجع أهله وماله ويبقى عمله»(5).
 

أما الأهل فسيعودون إلى معترك الدنيا وربما نسوا ميتهم وانشغلوا بتقسيم تركته وأمواله التي ورّثها لهم، والله المستعان.
 

وأما ماله فعليه غرمه وحسابه وسيُسأل عنه ممَّ اكتسبه وفيمَ أنفقه، ولورثته غنمه فينتقل إلى ملكهم وينعمون به فيما تبقى من أعمارهم.
 

ولن يبقى معه في قبره إلا عمله إن كان صالحاً فليبشر وإن كان غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه، ولا يهلك على الله إلا هالك، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وصدق الشاعر:

وما المال والأهلون إلا ودائعٌ *** ولا بد يوما أن ترد الودائع(6)

اللهم وفقنا لهداك واجعل عملنا في رضاك، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

 

____________________________________

(1) أخرجه مسلم (1905).
(2) ينظر:مجمع الحكم والأمثال في الشعر العربي للأحمد قبش بن محمد نجيب.
(3) أخرجه البخاري (2319)، مسلم (1023).
(4) أخرجه البخاري(1461).
(5) أخرجه البخاري(6514).، ومسلم (2960).
(6) البيت للبيد بن ربيعة العامري.

10 + 3 =